سينمافيديومدونات

الفصول الأربعة.. ذكريات ممنوعة من الصرف!

تفوّقت الدراما السوريّة بشكل كبير على نظيراتها من دراما الوطن العربي، والسبب الأكبر هو واقعيتها إذ أنّها تلامس روحك سواء كانت كوميديّة، رومانسية أو إجتماعية.
يبدو الحديث اليوم عن ماضي الدراما السورية القريب، وكأنه حديث عن زمن الأبيض والأسود وزمن الفن الجميل، رغم أنها أعمال حديثة نسبياً صنعت مجد الدراما السورية بالترويج للقيمة، ولم تضع بوصلتها وراء اللُهاث خلف القصص الغرامية الفارغة أو اللوحات الكوميدية التافهة.
اليوم وبعد مرور عشرين عاما على إنتاجه، ما زال مسلسل “الفصول الأربعة” بجزئيه الأول والثاني يمثل أحد أهم أعمدة الدراما السورية، بل وما زالت شعبيته تزداد يوماً بعد يوم كونه مرجعا لذكريات الشعب السوري بشكلٍ خاص والشعب العربي بشكلٍ عام، وبات المسلسل (كتابة دلع الرحبي وريم حنا، وإخراج الفنان الراحل حاتم علي)، باباً يدخل منه السوريّون لاسترجاع ذكريات الزمن الجميل الدافئ، ويشاهده أيضاً آخرون من جيل الـ 2000 للتعرف على سوريا والأجواء العائلية التي لم يتثنّى لهم رؤيتها سابقاً.
يتمتّع المسلسل بأسلوب سردي مغاير ظهرت فيه موهبة حاتم علي المبكرة حين استطاع التنويع في طرق رواية الأحداث باختلاف موضوع الحلقة، إذ تتناوب الأحداث الكبرى التي تنتهي بعضها في غضون حلقة واحدة، فيما يستمر غيرها على مدار أكثر من حلقة، لم تغب الكوميديا عن العمل في مجمله رغم إنحيازه إلى الدراما، حيث عالجت المشكلات الشبابية “بصراحة” في هذا المسلسل عن طريق عرض معاناة الأحفاد حسب محيطه ودائرته الصغيرة”.
تقتحم كاميرا المخرج الراحل منزلهم وترصد علاقاتهم مع بعضهم البعض ومع الآخرين، وهي قصة عائلة دمشقية من الطبقة المتوسطة وتنقسم لثلاثة أجيال وهم: الجد كريم (خالد تاجا)، مثال للرجل المتفهم والمحب لعائلته وبناته، الجدة نبيلة (نبيلة النابلسي)، الأم المثالية صاحبة القلب الطيب، واخته جميلة (هالة شوكت)، العمّة العزباء الجميلة.

اقرأ أيضاً: حاتم علي.. الحلقة التاسعة والعشرون والأخيرة!
أمّا الجيل الثاني فيتكون من بنات كريم الخمسة، فاتن نسبة لفاتن حمامة، ماجدة نسبة للجميلة ماجدة، شادية نسبة للممثلة لشادية، نادية نسبة لناديا لطفي وآخرهنّ المتوفاة ليلى نسبة لـ ليلى مراد، استطعنا أن نرى من خلال عدسة المخرج الراحل تجسيد فصول السنة في أصهرة كريم ونبيلة الأربعة، فالشتاء كنجيب قاس وجاف، الربيع في ثروة مالك الجوربار، الخريف في عادل الذي لم تتوقف تساقط أوراقه منذ وفاة زوجته ليلى، والصيف في برهوم فهو كما يقال ” مصيّف”.
والجيل الثالت يمثل الأحفاد الخمسة أصغرهم نارا (روعة السعدي )، إبنة عادل التي لم أقتنع إلى يومنا هذا أنها تجاوزت الثلاثين.

مسلسل “الفصول الأربعة”

وعن طريق الأجيال الثلاثة والتي تشبه إلى حد كبير شخصيات موجودة في الواقع ناقش المسلسل قضايا يومية إجتماعية واقعية مشكّلةً خليطاً دافئا كدفء ليالي رمضان ما بين الكوميديا والواقعية والاجتماعية.
صحيح أنّ المسلسل يبدو للوهلة الأولى مجرد قصة عائلة دمشقية عاشت كأي عائلة سوريّة سابقا، إلا أنّ اليوم ومع مرور الزمن والحروب وتشتت العوائل السوريّة، أصبح هذا العمل مقدّساً لدى السوريين، وهذا التقديس ما هو إلا شحنة عاطفية مرتبطة بالحنين للفترة التي صور بها العمل، فنحن كمشاهدين صدّقنا الشخصيات وشعرنا أننا نعرفها، فلا شكّ أنّك رأيت نفسك في أحدهم.
كما نعتقد أننا اعتدنا اليوم على العيش في بيوت من الطراز الحديث أو الأمريكية كما يقال، ولكن بمجرد أن نشاهد مشهداً واحداً من بيت نجيب أو كريم كافٍ أن يزيد من تعطشنا لبيوتنا الدمشقية التي أصبحت بعيدة عنا بسبب غربتنا.

صورة لبيت نجيب في المسلسل وبيت صديقتي في سوريا

الديكور وحده يظهر واقعية المسلسل، عكس مسلسلات الوقت الحاضر المليئة بالترف الذي لا يشبهنا ولا يمت لواقعنا بأيّ صلة.

بيت الجد كريم في المسلسل

بما أنني لا أذكر بيتي في سوريا فقد اتخذت من بيتهم بيتا لي، و يبدو أنه يوجد من أمثالي الكثير، فأصحاب البيت يشتكون من كثرة الزوار يومياً.
نشتاق اليوم في غربتنا لتلك الأجواء فنحن شعب نتوق للماضي، والتمتع بكل شيء متعلق به كإجتماع يوم الجمعة على طاولة العشاء، أو استيقاظنا باكراً في صباح العيد لجمع أكبر قدر ممكن من العيديات، أو حتى لفظنا لكلمة خالتي أو عمي صار حلما صعب المنال نوعاً ما في هذا الوقت.
وأحد هذه الأسباب هو الوضع البائس في الوقت الحاضر، الذي يجعلنا نهرب من واقعنا الأليم لأنه يعيدنا للذكريات وجمعات العائلة البسيطة التي كنا نجّد بها الدفء.
رحم الله المخرج المبدع حاتم علي فلولا أعماله الواقعية ما استطعت يوماً أن أكّون صورة جميلة عن بلادي، أختمها أثناء سماعي لرائعة فيفالدي الفصول الأربعة، وكما قالت نورا رحال في شارة مسلسل “أحلام كبيرة” كل شيء ضاق، ضاق حتى ضاع”..

سيما أنس

وُلِدت في مدينة حلب عام 2003، أقيم في مدينة مرسين التركية منذ العام 2012، وحالياً أدرس في كلية الإعلام قسم الصحافة، أتكلم اللغة الإنكليزية والتركيّة إلى جانب العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى