أخبار المشاهيرتاريخسينمامقالات

حاتم علي.. الحلقة التاسعة والعشرون والأخيرة!

في مشهدٍ مهيب داهم “عمر بن الخطاب” صفوف المسلمين المجهشين بالبكاء، وبدأ يهز هذا ويصرخ على ذاك ليعلم ما حل بهم، حتى أخبره أحدهم أن رسول الله قد مات، ذهل وإنهار باكياً وبدأ يتوعد كل من قال: أن محمداً قد مات بقطع رأسه.. مشهد يقشعر له الأبدان!، فماذا لو رأيته من عدسة حاتم علي؟

مسلسل عمر

عدسة “علي” التي أضافت للدراما السورية خصوصا “الدراما التاريخية” روحا ورونقاً لا مثيل له، تلك العدسة التي ما إن دخلت عالم الإخراج حتى قلبته رأسا على عقب وبثت فيه حياة جديدة، هي روح ذلك الإنسان البسيط الذي ولد عام 1962 في الجولان السوري المحتل، عاش “حاتم علي” فترة شبابه في مخيم اليرموك الواقع جنوبي مدينة دمشق، ودرس فيه الفلسفة ليلتحق فيما بعد بالمعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.

توجه “علي” إلى الإخراج التلفزيوني في منتصف التسعينيات، وقدم عددًا كبيرًا من المسلسلات الاجتماعية والتاريخية، كان أهمّها مسلسل “الزير سالم”، والذي كان نقطة تحول في مسيرته الإخراجية، هذه المسيرة التي ما كانت إلّا محطات في حياتنا لا تمحى من الذاكرة، لكل مرحلةٍ منها عَبَقُها الخاصّ بها، فقد انتظرنا “عائلتي وأنا” طوال “الفصول الاربعة” على أمل أن نحقق “أحلام كبيرة” لنقابلها لاحقاً بأفئدة كـ”حجر جهنم” لا تعرف الرحمة، وحرب ظالمة أدّت بنا إلى “سفر” وتغريبة كـ “التغريبة الفلسطينية” التي لن تنتهي حتى يأتيَ الزمن بـ مخلصين كـ”عمر” و”صلاح الدين”.

قلبنا الذي تحمّل كل هذه المآسي لن يرضى بـ”الغفران” ولا حتى بالصفح، بالرغم أننا شطبنا بـ”قلم حمرة” على ذكرياتنا السعيدة، مازلنا نستذكر “ندى الأيام” الجميلة و”كأنه البارح”، ولكنني ومع ذلك ما زلت أرى الناس “عصيّ الدمع” ضائع في “فضاءات رمادية” وخائض في “صراع على الرمال” وفي حالة حنين دائم لفترة “ربيع قرطبة”، الفترة التي عزّ بها العرب معزّةً نعلم أنّها لن تعود أبداً إلّا بمعجزة، ولكننا نعلم أيضاً أنّ حاتم أحيا القليل من الأمل من خلال عدسته، العدسة السورية الأصيلة.

المخرج الراحل حاتم علي

أذكر أنني كنت مهووسةً بالدراما التركية في سنة الـ 2016، حتى نصحتني أمي أن أشاهد مسلسل أحلام كبيرة، انتهيت من مشاهدته في غضون يومين، وتقمّصت بعدها شخصية “عمر الحلبي” لأسبوع كامل، والأهم أنني قطعت علاقتي مع الدراما التركية تماماً، لأتوجه لاحقاً لسلسلة من إبداع الراحل الغير متناهي.

توجهت بعدها للفصول الأربعة، وخلال أسبوع كنت قد انتقلت لمتابعة مسلسل “التغريبة الفلسطينية” الذي استطاع حاتم أن يجسد به معاناة الفلسطينيين في ذلك الوقت ومعاناة السوريين في الوقت الذي شاهدته به.

أعدت أعماله الاجتماعية كلها عدة مرات على مدى أربع سنوات وشاهدتها كل مرة بوجهة نظر مختلفة تماماً عن التي قبلها. حتى أصبح مخزون المسلسلات والأفلام كبيراً في رأسي وأصبحت قادرة على المقارنة والتحليل بشكلٍ أكبر نوعاً ما، توجهت إلى المسلسلات التاريخية الممزوجة بإبداع الدكتور “وليد سيف” وإخراج الراحل حاتم علي، بدءاً بثلاثية الأندلس وصولاً إلى عمر، صلاح الدين والزير سالم، كانت حواراته بليغة جداً لدرجة أنني كنت أتحدث الفصحى طوال الفترة التي كنت أشاهد السلسلة بها.

حاتم لم يكن إنساناً عادياً ولم يمر مرور الكرام، فقد ترك إرثاً وأثراً كريماً كـ كرم حاتم الطائي، وعن عمر ناهز الثامنة والخمسين رحل عنا إثر نوبة قلبية مفاجئة.

من بكى لموت حاتم وصعق بذهابه سيدرك أن بكاءه وفجيعته لم تكن إلا ألماً، لأنّ ذكريات شعب كامل دفنت مع دفنه، تماماً كالذكريات المعبّقة برائحة سوريا التي خطرت على بالك الآن.

لقد بكينا في شبابه شبابنا الضائع، بكينا في مسلسلاته أحلامنا الكبيرة وبكينا في دفنه ذكرياتنا المدفونة.

لم تشهد دمشق مثل جنازة “حاتم علي” منذ رحيل الشاعر السوري “نزار قباني” عام 1998، حتى أنّ مشهد جنازته قد جسّد من خلال عدسته في حلقة أصدقاء نزار من مسلسل الفصول الأربعة، حيث وقف خالد تاجا على الرصيف أثناء متابعته لجنازة الشاعر نزار قباني ليمسح دموعه ويقول: “الدنيا لسا بخير إذا بلد كاملة بتطلع بجنازة شاعر”، وهذا ما حصل فعلاً في جنازة حاتم رحمه الله.

صورة لجنازة الشاعر من مسلسل الفصول الأربعة وجنازة حاتم علي

هي مدونة صغيرة عنك يا حاتم، أعرف أنّك أكبر من أن تحملك مدونة، كلماتها مقتضبة ومتداخلة ولكن هذا أكثر ما استطعت فعله في ذكرى وفاتك الأولى..

وفي الختام لا يغيب عن ذهني ما قاله جمال سليمان في رثائك: “بسببك صارت أمّي في أواخر أيامها تناديني بـ أبو صالح”.

اقرأ أيضاً: الفصول الأربعة.. ذكريات ممنوعة من الصرف!

سيما أنس

وُلِدت في مدينة حلب عام 2003، أقيم في مدينة مرسين التركية منذ العام 2012، وحالياً أدرس في كلية الإعلام قسم الصحافة، أتكلم اللغة الإنكليزية والتركيّة إلى جانب العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى